الشوكاني

428

فتح القدير

قوله ( هل أتاك حديث الغاشية ) قال جماعة من المفسرين : هل هنا بمعنى قد ، وبه قال قطرب : أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية ، وهي القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها . وقيل إن بقاء هل هنا على معناها الاستفهامي المتضمن للتعجيب مما في خبره ، والتشويق إلى استماعه أولى . وقد ذهب إلى أن المراد بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين . وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب : الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله - وتغشى وجوههم النار - وقيل الغاشية أهل النار لأنهم يغشونها ويقتحمونها والأول أولى . قال الكلبي : المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية ، فقد أتاك ( وجوه يومئذ خاشعة ) الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما هو ؟ أو مستأنفة استئنافا نحويا لبيان ما تضمنته من كون ثم وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة ، ووجوه مرتفع على الابتداء وإن كانت نكرة لوقوعه في مقام التفصيل ، وقد تقدم مثل هذا في سورة القيامة ، وفي سورة النازعات . والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه : أي يوم غشيان الغاشية ، والخاشعة الذليلة الخاضعة ، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع ، يقال خشع الصوت : إذا خفى ، وخشع في صلاته : إذا تذلل ونكس رأسه . والمراد بالوجوه هنا أصحابها . قال مقاتل : يعني الكفار لأنهم تكبروا عن عبادة الله . قال قتادة وابن زيد : خاشعة في النار ، وقيل أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص ، والأول أولى . قوله ( عاملة ناصبة ) معنى عاملة أنها تعمل عملا شاقا . قال أهل اللغة : يقال للرجل إذا دأب في سيره : عمل يعمل عملا ، ويقال للسحاب إذا دام برقه : قد عمل يعمل عملا . قيل وهذا العمل هو جر السلاسل والأغلال والخوض في النار ( ناصبة ) أي تعبة ، يقال نصب بالكسر ينصب نصبا : إذا تعب ، والمعنى : أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله . وقيل إن قوله ( عاملة ) في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة : أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي ، وتنصب في ذلك . وقيل إنها عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة ، والأول أولى . قال قتادة : ( عاملة ناصبة ) تكبرت في الدنيا عن طاعة الله ، فأعملها الله ، وأنصبها في النار بجر السلاسل الثقال وحمل الأغلال والوقوف حفاة عراة في العرصات - في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة - قال الحسن وسعيد بن جبير : لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب فأعملها وأنصبها في جهنم . قال الكلبي : يجرون على وجوههم في النار . وقال أيضا : يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم ، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل . قرأ الجمهور ( عاملة ناصبة ) بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ ، أو على تقدير مبتدأ ، وهما خبران له ، وقرأ ابن محيصن وعيسى وحميد